أخبار وطنية رافع الطبيب (باحث في الشأن الليبي): على تونس أن تحذر مـن تداعيات سقوط طرابلس
هنالك ذئاب في العالم وعلى رأسهم تركيا تنتظر بفارغ الصبر إعادة الإعمار في ليبيا
أصبح الوضع الليبي في الآونة الأخيرة حديث أغلب التونسيين ومحور اهتمامهم خاصة أنه تجمعنا مع الجارة ليبيا وحدة الشعب والمصير.. وإثر التطورات التي حدثت هذه الأسابيع ومنها قرار السلطات التونسية غلق قنصليتها في طرابلس بعد حادثة اختطاف الدبلوماسيين وما نتج عنها من تسليم الليبي وليد القليب التابع لفجر ليبيا، كان لأخبار الجمهورية لقاء مع الدكتور بجامعة منوبة والباحث المختص في الشأن الليبي رافع الطبيب الذي تطرق من خلاله إلى تحليل الوضع الليبي الراهن واستشراف مستقبله وانعكاساته على تونس فكان الحوار التالي..
ـ أكدت في تصريح سابق قرب اندلاع معركة على المعابر الحدودية التونسية الليبية، فهل لك أن توضح ذلك؟
أولا يجدر التوضيح بأن قوى 17 فيفري في ليبيا المتكونة من مجموعة الفصائل المسلحة بمصراطة ومجموعة الفصائل المسلحة بالزنتان كانت في السابق وتحديدا قبل صائفة 2014 متحدة ولم تكن هنالك أية مشاكل بينها، لكن بمجرد أن حلت معركة ما تسمى بـ «القسورة» حول منطقة طرابلس، حدث انقسام كبير بين هذه القوى كانت له العديد من الانعكاسات الخطيرة منها الهجوم على المطار وعلى بعض القبائل إضافة إلى حرق المنازل وتهجير المتساكنين منها..
واليوم أصبحت هناك مقاومة قبلية متكونة من حركة «المقاومة» أو ما يسمى بالجيش القبلي وهو عبارة عن تحالف مجموعة من القبائل الموجودة بالمنطقة الغربية في ليبيا التي كان هدفها الأبرز تحرير القاعدة العسكرية الجوية ـ التي تمكن تنظيم فجر ليبيا من السيطرة عليها ـ وقد استمرت المعارك بينهما لمدة 8 أشهر..
هذا إلى جانب تراجع نفوذ فجر ليبيا وسيطرته بعد انسحاب مليشيات مصراطة منه وهي تمثل 80 بالمائة من قواته سواء على مستوى الفكر الاستراتيجي أو في القدرة على التسلح، وذلك لمحاربة تنظيم داعش الإرهابي بعد أن تم كسر الاتفاق بين الدواعش وقوات فجر ليبيا وتصدعت العلاقات بينهما بعد ما كانت فجر ليبيا تستعمل مجموعات قاعدية وقريبة من الفكر الداعشي كرأس حربة تضرب بها أعداءها وجميع القوى التي تختلف معها.
وقد أدى ذلك إلى انقلاب المشهد بطريقة راديكالية سريعة وأصبحت فجر ليبيا تتكون من 20 بالمائة فقط من المليشيات التي لم تعد تتحصل على الدعم المادي والتنظيمي والعسكري. وهو ما أسفر عن انسحابهم وتراجعهم تدريجيا خاصة على مستوى المناطق الغربية والخط الساحلي وأصبحت العديد من المناطق في يد القبائل وجيش الزنتان الذي يعرّف بنفسه على أنه «جيش الوطن».
ـ برايكم ما هي انعكاسات هذه الصراعات على تونس وليبيا سياسيا واقتصاديا؟
يجب أن أؤكد أمرا مهما وهو أن الزنتان أو من يسمون أنفسهم بجيش القبائل الشريفة لهم موقف انتقادي من سياسة تونس تجاههم، فهم يعتبرون أن الحكومات التونسية المتعاقبة بعد الثورة بغض النظر عن حكومة المهدي جمعة أبدت كلها التعاطف والتعاون مع فجر ليبيا.. وهو ما ستكون له انعكاسات سلبية ووخيمة على تونس إذا ما نجحت الزنتان والقبائل في التحكم على المعابر وعديد المناطق الأخرى التي ستنسحب منها فجر ليبيا تدريجيا، حيث ستجد تونس نفسها قد خسرت بتعاملها مع مليشيات فجر ليبيا والاعتراف بهم في وقت ما.
أما في صورة اندلاع معركة على طرابلس فإنّ ذلك ستكون عواقبه وانعكاساته وخيمة على المستوى الاقتصادي للبلدين حيث سيتم رفع الدعم عن كل المواد الاستهلاكية في ليبيا كما أن تونس ستعاني من مشاكل عدم سداد ديون الليبيين تجاهها خاصة في المصحات الخاصة ناهيك عن مشاكل اقتصادية أخرى.
ـ هل لك أن تحدثنا عن الانعكاسات الأمنية على بلدنا؟
سؤال جيد... يمكنني القول انه لو فرضنا أن طرابلس سقطت وهي تضم طائفة من المليشيات الاجرامية والمنحرفة والتي تقوم بأعمال «مافيوزية» فإن تونس ستجد نفسها ملجأ لهؤلاء العصابات بعد طردهم من ليبيا وقدومهم إلى تونس هربا.
الخطير في هذا الأمر هو أنّ تلك العصابات المتمردة ستأتي إلى تونس حاملة معها نفس الفكر المافيوزي الميليشاوي وستحاول كسب تعاطف ومساندة بعض التونسيين لاعتبارهم «ثوارا» والعامل المادي المالي سيساعدهم حتما على ذلك.
ـ ما تعليقك بخصوص ما صرّح به راشد الغنوشي في اعتباره بأن فجر ليبيا تمثل خط الدفاع الأول عن تونس من داعش؟
(بنبرة متهكمة) لقد تبين بالكاشف من هم ميليشيات فجر ليبيا الذين يمثلون خط الدفاع الأول عن تونس خاصة إثر إقدامهم على عملية اختطاف الدبلوماسيين التونسيين!! الحمد لله ربّ ضارة نافعة، فبعد أسبوع واحد على تصريح الغنوشي المذكور حدثت عملية الاختطاف المشينة لتبين لنا بالكاشف إلى أي مدى يمكن أن تصل فظاعة ممارسات حكومة طرابلس التي عوض أن تقوم بدورها وتحمي التونسيين المختطفين، أرسلت أطرافا للتفاوض من أجل إطلاق سراح وليد القليب.. إن هؤلاء لا يتعاملون إلا بمنطق الميليشيات.
كما أنّ تصريح راشد الغنوشي ليس بالغريب خاصة ونحن نعلم أن تنظيم فجر ليبيا موال لتنظيم الإخوان المسلمين الذي تنتمي إليه حركة النهضة وزعيمها الغنوشي لذلك فلا غرابة أبدا من كلامه ذاك لكن رغم هذا فأنا لدي ثقة كبيرة في ذكاء التونسي الذي أصبح يعلم حقيقة مليشيات هذا التنظيم..
أما في ما يخص داعش، فأجزم بأن هناك حراكا وطنيا كبيرا يتكون من عديد القوى الغيورة على ليبيا ستسعى لتحريرها من هذه التنظيمات المخرّبة والمجرمة وسوف يجدون حلا لإعادة توحيد ليبيا، لأنهم متأكدون أن بلادهم لا يمكن لها البقاء مقسمة ومفرقة خاصة وأن أغلب ثروتهم النفطية موجودة بالأساس في الوسط والجنوب وداعش قامت بأكبر جريمة يمكن أن تحاسب وتعاقب عليها وهي حرق آبار النفط..
ـ ما هو تعليقك بخصوص القرار الأخير القاضي بغلق القنصلية التونسية في طرابلس بعد حادثة خطف الدبلوماسيين؟
لأول مرة في حياتي أصفق لحكومة في تونس.. فهذا القرار الصحيح والصائب لم يمثل إغلاق القنصلية فحسب بل هو إغلاق الباب أمام الفكر الميليشاوي والمتطرف والخطير...
ـ وموقفك من تسليم الليبي وليد القليّب؟
قبل أن أتحدث عن موقفي، أقول إن الأمور بخواتمها حيث وقع تصحيح الموقف من فجر ليبيا وحكومة طرابلس وتم غلق القنصلية وإلغاء الاعتراف وإعطاء كل ذي حق حقه، فطرابلس ليست حكومة ولا ترتقي بتاتا إلى درجة الاعتراف بها.
أما في ما يخص قضية وليد القليّب فتجدر الإشارة إلى أنه «مجرم حرب» وساهم في حرق مطار طرابلس والتعدي كذلك على الكثير من التونسيين في ليبيا وتعذيبهم وقد تحصلت على شهادات من تونسيين يعيشون في ليبيا رووا لي ذلك..
وكان لا بدّ من أن تتم محاكمته وأن لا ترضخ السلطات التونسية لابتزاز فجر ليبيا..
ـ هلاّ حددت لنا خارطة القوى السياسية الحقيقية الموجودة في ليبيا؟
عموما خارطة القوى السياسية الموجودة في ليبيا تتمثل أساسا في كتلة وسطية كبرى تتضمن جماعة بنغازي ومصراطة ومعها طائفة قليلة من الجنوب الليبي وهم الآن متجهون نحو إرساء الحوار الوطني بإرادة دولية جامعة. هذا إلى جانب مجموعة أخرى من الأطراف على غرار فجر ليبيا في الغرب وكذلك المجموعات الداعشية وفصائل الإسلام السياسي الذين أصبحوا كلهم خارج الاتفاق السياسي.
لكن يجب القول ان هذه الخارطة ليست صالحة لكل زمان فالخارطة السياسية الليبية تتغير يوميا بطريقة عجيبة وسريعة..
ـ برأيك ما هي قائمة القوى العربية والدولية الداعمة للإرهاب في ليبيا؟
لقد بان بالكاشف أنّ دولتي تركيا وقطر من أكثر الدول الداعمة للإرهاب ولداعش بل تجاوز الأمر مسألة الدعم المعنوي ليصل إلى حد مدهم بالأسلحة وإرسالها لهم عبر البواخر على مرأى من الجميع.. هذا إلى جانب أمريكا فالأمر كذلك لا يخفى..
ـ كيف تستشرف مستقبل ليبيا اليوم؟
ليبيا الآن في مفترق طرق صعب، فإما أن تتجه نحو إرساء الحوار الوطني بكل آلياته وأطرافه وباعتبار أنه حوار ليبي دولي وليس ليبيا بحتا والاتجاه نحو الدفع لتمرير ما جاء في المسودة الرابعة التي تكفل 40 بالمائة من الحل لليبيا و60 بالمائة للمجتمع الدولي أو سيتم إهدار هذه الفرصة لتصبح ليبيا خارج اللعبة والحل الدولي هو القاضي.
كما يجب على أفراد الشعب الليبي الدفاع عن وطنهم وعلى وحدته قبل أن تفتكّه أطراف لا تؤمن ولا تعترف به ولا بترابه بل همهم الوحيد الانقضاض على الثورة البترولية لا غير.
ـ كلمة الختام...
أتمنى أن يساهم الذكاء التونسي في رسم طريقة التعامل المثلى مع الوضع الليبي خاصة في المرحلة القادمة مع عدم تكرار أخطاء الماضي والاستفادة منها.. وفي نهاية المطاف ستكون تونس موجودة بقوة في المستقبل الليبي بعد أن يعمّ السلام عليها فتونس وليبيا بلدان شقيقان وملتحمان شعبا ومصيرا..
ولا بد أن لا ننسى بأن هنالك ذئابا في هذا العالم وعلى رأسهم تركيا التي تنتظر بفارغ الصبر إعادة الإعمار في ليبيا لتنقض عليها بطريقة غير أخلاقية ..
حاورته: منارة تليجاني